ابن الجوزي

8

بستان الواعظين ورياض السامعين

وحضر مجالسه ملوك ووزراء بل وخلفاء من وراء الستر ويقال في بعض المجالس حضره مائة ألف فيما قيل ، والظاهر أنه كان يحضره نحو العشرة آلاف مع أنه قد قال غير مرة إن مجلسه حرز بمائة الف ، فلا ريب إن كان هذا قد وقع فإن أكثرهم لا يسمعون مقالته . قال سبطه : سمعت جدي يقول على المنبر : كتبت بأصبعي ألف مجلد وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألفا . وقال : وكان يختم في كل أسبوع ختمة ولا يخرج من بيته إلا إلى الجمعة أو المجلس . ومن بدائع كلامه : عقارب المنايا تلسع وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس وماء الحياة في إناء العمر يرشح بالأنفاس . وقال لوليّ أمر : اذكر عند القدرة عدل اللّه فيك وعند العقوبة قدرة اللّه عليك ، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك . ومن كلامه كذلك : من قنع طاب عيشه ومن طمع طال طيشه . وقال في وعظه : يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك وإن سكت خفت عليك فأنا اقدّم خوفي عليك على خوفي منك ، أقول قول الناصح إتق اللّه خير من قول القائل أنتم أهل بيت مغفور لكم . وقال : يفتخر فرعون ملك مصر بنهر ما أجراه . وإليه المنتهى في النثر والنظم الوعظى وقد نالته محنة في أواخر عمره وشوا إلى الخليفة عنه بأمر اختلف في حقيقته فجاءه من شتمه وأهانه وختم على داره وشتت عياله ثم أخذه في سفينة إلى واسط فجلس بها في بيت وبقي يغسل ثوبه ويطبخ ودام على ذلك خمس سنين وما دخل فيها حماما . قال الموفق عبد اللطيف : كان ابن الجوزي لطيف الصورة حلو الشمائل رخيم النغمة موزون الحركات والنغمات لذيذ المفاكهة يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون لا يضيع من زمانه شيئا يكتب في اليوم أربعة كراريس ، وله في كل علم مشاركة ، ولكنه كان في التفسير من الأعيان ، وفي الحديث من الحفاظ وفي التاريخ من المتوسعين ولديه فقه كاف وأما السجع الوعظى فله فيه ملكة قوية وله في الطب « كتاب اللقط » مجلدان وكان يراعي حفظ صحته وتلطيف مزاجه وما يفيد عقله قوة وذهنه حدّة ، جل غذائه الفراريج والمزاوير ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات ، ولباسه أفضل لباس الأبيض الناعم الطيب وله ذهن وقاد وجواب حاضر ومجون ومداعبات حلوة ولا ينفك من جارية حسناء . قرأت بخط الموقاني أن ابن الجوزي شرب البلاذر فسقطت لحيته فكانت قصيرة جدا وكان يخضبها بالسواد إلى أن مات ، وكان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا